نصر حامد أبو زيد

93

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

ويهمنا في هذا الرأي الوقوف عند النصوص التي استشهد بها صاحبه للدلالة على ورود بعض الإشارات - ولو من باب التعريض - للأحكام المدنية . وأهم هذه النصوص ما ورد في سورة المزمل من قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ، عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ، عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ، وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ، وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً . وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . « 1 » ومن السهل أن نحدد أن هذه الآية « مدنية » وليست مكية استنادا إلى طولها البالغ إذا قورن بقصر الآيات الأخرى في السور ذاتها . إن السور كلها عشرون آية ، تتكون الآية الواحدة من بضع كلمات ، ولا تزيد ان طالت عن ست كلمات ، بينما هذه الآية وحدها تكاد أن تبلغ أكثر من ثلث حجم السورة كلها . هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فالسورة كلها - باستثناء هذه الآية - فيها حرص على الفاصلة وهي اللام الممدودة التي تتحول إلى ميم ممدودة في الآيتين الثانية عشرة والثالثة عشرة ، وتصبح باء ممدودة في الآية السابعة عشرة . وهذه دلائل من النص تفصل بين هذه الآية الأخيرة وبين باقي آيات السورة . وعلى ذلك لا يصح اصرار السيوطي على أن الآية مكية مثل بقية السورة استنادا إلى رواية عائشة أن نهاية السورة « نزل بعد نزول صدر السورة بسنة ، وذلك حين فرض قيام الليل في أول الاسلام قبل فرض الصلوات الخمس » « 2 » . ومن أمثلة الخلط بين مستوى الدلالة اللغوية ومستوى الدلالة الشرعية للنصوص فهم قوله تعالى : « لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ » - وهو نص مكي - على أنه إشارة إلى الحج ويكون معنى « حل » على هذا التأويل الاحلال المقابل للاحرام . والواقع أن معنى « حل » هنا « مقيم » والقسم انما هو قسم بمكة حيث يقيم النبي . 2 - المصدر الثاني لأخطاء العلماء والذي أدى إلى افتراضهم تأخر الحكم عن نزول النص أن يرد تفسير معين للنص في رواية لا يستطيع العالم أن يردّها لأنها منسوبة إلى صحابي أو تابعي ، وتكون دلالة هذا التأويل أن الآية « مدنية » فلا يجد العالم من حل لهذا التعارض

--> ( 1 ) الآية 20 . ( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 17 .